تتشابه صفات بعض الأبطال الأسطوريون عند الشعوب ، خصوصا فيما يتعلق بمولدهم ، فنجد أن البطل سليل آسرة رفيعة المقام إلى أبعد الحدود ، كأن يكون ابن ملك ، وميلاده مسبوق بمصاعب كأداء ، كالمرور بفترة تعفف أو عقم. وأثناء الحمل تظهر نبوءة .. في حلم ، أو عن طريق عراف .. تقول بأن ميلاد الطفل سيكون سببا في كارثة ، وأن الأب بوجه خاص مهدد بها. وبناءً عليه يصدر الأب أمرا بقتل الطفل أو بتعريضه لخطر مميت. كأن يوضع في سلة صغيرة ويسلم أمره لتيار الماء . و يجري بعد ذلك إنقاذه من قبل رجل فقير وزوجته العاقر ، وأحيانا أخرى تجده الوحوش فتربيه وتدربه على القتال ليصبح قويا كاسرا مثلها . وحين يشب يعثر على والديه بعد العديد من المغامرات ، وينتقم من أبيه . وبعد أن يسترد هويته يحظى بالشهرة و المجد . وأساطير القدماء تغص بأمثال هؤلاء الأبطال الأسطوريين مثل : سرجون الأكدي ، قورش ، رومولوس ، كارنا ، باريس ، تيليغوس ، يرسيوس ، هيراقلس ، امغيون ، زيتوس .. وبطل مقالنا أوديب ...
لمحة عن (عقدة أوديب) في علم النفس
من الاكتشافات المهمة التي تنسب إلى (فرويد) عندما كان يحلل شخصيات مرضاه هي أن هناك رغبة عارمة لا شعورية لدى كل واحد منهم في امتلاك احد الأبوين المغاير له جنسيا . وبالتعمق في دراسة هذه الشخصيات وكيفية تطورها يتوصل إلى أن هناك رغبة مكبوتة نمت و تبلورت عبر الأزمنة الطويلة ، وتوارثتها الأجيال منذ آلاف السنين ، أي منذ عصور قديمة ، عندما كان الجنس فيها مشاعا للجميع ولم تكن هناك ضوابط وأحكام ومحارم عليه ، فكان الأب والابن والآخرون يشتركون في التزاوج مع امرأة واحدة ..
لكن بتطور الحضارة وسن الشرائع ونزول الأديان السماوية تم وضع حدود للجنس في أطار ضوابط أسرية و اجتماعية لا يمكن تجاوزها . إلا أن تلك الرغبة المكبوتة بقيت دفينة في نفوس البشر , فتجد الطفل الذكر – بحسب فرويد – يميل إلى أمه ويريد تملكها ويغار من أبيه باعتباره منافسا على حبها , وهنا ينشأ لديه صراع داخلي ما بين كبته لمشاعره تجاه أمه خوفا من غضب أبيه , وفي نفس الوقت رغبته في التخلص من أبيه لتصفو له أمه , هذا الصراع ينتهي بتسليم الطفل بعدم قدرته على منافسة أبيه فيحاول عوضا عن ذلك أن يقلده ويلجأ إلى خارج الأسرة للعثور على نساء أخريات.
هذه المرحلة – بحسب فرويد مرة أخرى – لو مرت بشكل طبيعي وسليم فأنها تكون مفيدة ومهمة جدا للفرد وللأسرة لأنها تضع الحدود والأطر للعلاقات الجنسية السليمة وتؤسس لروابط عائلية صحية داخل المجتمع وتدفع الطفل وتحفزه لاكتشاف عالمه الخارجي ، أما لو حدثت مشاكل ولم تمر هذه المرحلة بشكل سلس وطبيعي لدى الطفل فأنها تؤدي إلى عقد نفسية وكبت وشذوذ.
قصة أوديب (Oedipus Rex)
لسنوات طويلة ظل لايوس ملك طيبة – مدينة في اليونان القديمة - وزوجتة جوكوستا من دون أطفال ، ثم حملت زوجته وأنجبت طفلا ذكرا ، وكما جرت العادة في ذلك الزمن الغابر ، فقد توجه الملك لايوس إلى معبد أبولو في دلفي لتقديم الشكر للآلهة ومعرفة طالع الوليد الجديد ، وكانت كاهنة المعبد معروفة بنبوءاتها التي تطابق الصواب ، فحذرت الملك من أن هذا الطفل سيكون وبالا عليه وسيقتله حين يكبر ، وعليه فقد أمر الملك بقتل ابنه الرضيع وذلك بإلقائه من قمة جبل ، وعهد بهذه المهمة الرهيبة إلى احد الرعاة ، لكن قلب الراعي رق للطفل ولم يطاوعه على تنفيذ الأمر .. إذ كيف يقتل طفلا صغيرا بريئا بلا ذنب ؟ ..
وهكذا فأنه عوضا عن قتله قام بتسليمه إلى راع آخر يعمل لدى الملك بولايباس ملك مدينة كورنث . ولم يكن لـ (بوليبوس) و زوجته (ميلوب) أطفال ، فلما وجدا الطفل عند الراعي وعرفا قصته فرحا كثيرا وقاما بتبنيه ، وأصبح ابناً لهما ، وأسمياه أوديب ، ونشأ و ترعرع في أحضانهما وهو لا يعلم بأنه ليس من صلبهما.
ثم مرت سنوات شب خلالها الأمير أوديب وصار شابا قويا وسيما ، وذات ليلة ، مر برجل مخمور ، فعيره الرجل بأنه لقيط ، فغضب أوديب كثيرا وطلب من والداه أن يخبراه الحقيقية ، لكنهما كذبا عليها وقالا بأنه أبنهما وبأن ما قاله ذلك الرجل المخمور لا أساس له من الصحة .
أوديب ظل مهموما ، وذهب إلى معبد دلفي ، ليسأل العرافة عن طالعه . فتنبأت له العرافة بأن يقتل أباه ويتزوج من أمه . وكانت تلك نبوءة مزعجة ومروعة بحق ، نغصت على الأمير الشاب حياته ، وبسببها قرر الهرب من والديه ، لأنه لم يرد أن يتسبب بإيذائهما .
وبينما أوديب يسير على غير هدى ، وصل إلى مفترق طرق ، وهناك قابل رجل على عربة ، ولم يكن ذلك الرجل سوى أباه الحقيقي ، أي الملك (لايوس) ، وكان قد خرج في رحلة صيد وأفترق عن حراسه أثناء مطاردته لغزال ، وعند ذلك المفترق نظر الرجلان إلى بعض بغرور من دون أن يعرف أحدهما الآخر ، ورفض كلاهما أن يفسح المجال للآخر كي يمر أولا ، فنشب بينهما قتال انتهى بمقتل الملك لايوس على يد أوديب الذي لم يعلم بأنه قد قتل أباه للتو .
أوديب مضى في سبيله ، وكانت مدينة طيبة في طريقه ، لكن قبل أن يصل إليها ، قابله الوحش (أبو الهول) ، وكان هذا الوحش يستوقف المسافرين إلى طيبة ويطرح عليهم أحجية ، فإذا عرفوا الجواب تركهم ليذهبوا في سبيلهم ، أما لو فشلوا فيقتلهم ويأكلهم ..
أبو الهول سأل أوديب : " ما الذي يمشي على أربع عند الصباح , واثنتان بعد الظهر , وثلاثة عند المساء ؟" .
ففكر أوديب مليا ثم أجابه قائلا : "أنه الإنسان .. فهو يحبو على أربع في طفولته , ويمشي على قدمان في شبابه , أما في شيخوخته فيتخذ عصا ليتكأ عليها خلال سيره فيكون ماشيا على ثلاثة".
وكان الجواب صحيحا ، وكان اوديب أول شخص يحل هذا اللغز وينجو من الموت على يد أبو الهول .
وفي مدينة طيبة كانت الوضع متأزما بغياب رأس السلطة ، أي الملك ، حيث ضج الناس وساد الهرج والمرج ، فتعاهد الحكماء وأهل الحل والعقد من أهلها على أن ينصبوا أول رجل ينجو من أبي الهول ويدخل مدينتهم ملكا عليهم .
أوديب المصدوم راح يركض كالمجنون داخل القصر بحثا عن الملكة جوكوستا ، أمه الحقيقية ، فوجدها جثة هامدة وقد شنقت نفسها ، فأخذ دبوسا من ثيابها وفقأ به عينيه ليفي بوعده ويطبق العقوبة التي أقسم على أن يوقعها على قاتل الملك لايوس ، ثم ترك مدينة طيبة وهام على وجهه في البراري.
وهنا انتهت القصة ، لكن لم ينتهي (فرويد) من دراسته وأبحاثه واكتشافاته .. حيث أنه وجد في قصة الملك اوديب خير تجسيد للعقدة التي زعم بأن كل طفل يمر بها خلال حياتهم .. أي رغبته الدفينة للتخلص من أبيه وامتلاك أمه.
ملاحظة هامة : من أجل المزيد من خدمتكم وإجابة على استفساراتكم أرجو التكرم بالتواصل معنا على صفحة الفيس بوك الرسمية لضمان وصول جميع نصائحنا إليكم يجب عمل اعجاب على جميع منشوراتنا • شارك منشورتنا مع أصدقائك وذكرهم بمشاركتها مع أصدقائهم • لا تنس أن تضع رابط صفحتنا في الجروبات والمنتديات التي تظهر على صفحتكم الشخصية فمرحبا بحضرتكم ومتابعة شيقة




